خليل الصفدي

403

أعيان العصر وأعوان النصر

لقيّه ، وأن محمد بن الحسن ما يحسن الوصول إلى رقيّه ، إلّا أنه شرح الأخسيكثي « 1 » وعمره دون الثلاثين شرحا جيدا يثني عليه فقهاء مذهبه ويعظّمونه ، وكان عارفا بالعربية واللغة ، قال في آخر شرح الأخسيكثي ، إنه فرغ منه بتستر سنة ست عشرة وسبعمائة ، وقال قبل هذا : فلو كان الأسلاف في حياة لقال أبو حنيفة : اجتهدت ، ولقال أبو يوسف : نار البيان أوقدت ، ولقال محمد : أحسنت ، ولقال زفر : أتقنت ، ولقال الحسن : أمعنت ، ولقال أبو حفص : أنعمت فيما نظرت ، ولقال أبو منصور : حققت ، ولقال الطحاوي : صدقت ، ولقال الكرخيّ : بورك فيما نطقت ، ولقال الجصّاص : أحكمت ، ولقال القاضي أبو زيد : أصبت ، ولقال شمس الأئمة : وجدت ما طلبت ، ولقال فخر الإسلام : مهرت ، ولقال نجم الدين النّسفيّ : بهرت ، ولقال صاحب الهداية : يا غوّاص البحر عبرت ، ولقال صاحب المحيط : فقت فيما أعلنت وأسررت ، إلى غير ذلك من كبرائنا الذين لا يحصى عددهم ، ولقال المتنبي : أنت من فصحاء عبارتهم ، تم ما قاله . ولم يزل القوام إلى أن مال عليه الحين بكلكله ، وأصبح الأتقاني وقد تهدّم من الحفر منزله . وتوفى بالقاهرة - رحمه اللّه تعالى - يوم السبت الحادي عشر من شوّال سنة ثمان وخمسين وسبعمائة . وكان لمّا قدم دمشق اجتمع بنائبها الأمير سيف الدين يلبغا - رحمه اللّه تعالى ، وداخله واختصّ به ، وذكر له مسألة رفع اليدين في الصلاة ، وادّعى بطلان الصلاة ، فقام في دفاعه قاضي القضاة تقي الدين السبكي - رحمه اللّه تعالى - وهّى ما قاله وأفسده ، واستدل على بطلان دعواه ، فرجع الأمير سيف الدين يلبغا بعد ما كان قد شرّبت أعضاؤه ذلك ، ثم إنه طلب إلى مصر ، وراح فراج عند الأمير سيف الدين صرغتمش وعظّمه ، وبنى له مدرسته بالقاهرة ، وولّاه تدريسها ، وكان قد قام في أيام الملك الصالح على الشافعية ، وسعى في إبطال المذهب من رأس ، وكاد ذلك يتم إلّا أن اللّه تعالى أعان بلطفه ، ومنّ بإخماد ناره . وأخبرني من أثق أنه كان يأكل في كل يوم أوقيّة فوم ، وكان يأكل من الزنجبيل شيئا كثيرا إلى الغاية . ونقلت من خطّه ما صورته : تاريخ قدومنا دمشق في الكرّة الثانية في العاشر من شهر

--> ( 1 ) الأخسيكثي هو : محمد بن محمد بن عمر ، حسام الدين فقيه حنفي ، المتوفى في سنة 644 ه . ( انظر : الكشف عن وجوه القراءات : 2 / 1848 ) .